الثقوب السوداء

للرجوع

 
 سوف تصاب بالدهشة حين تعـرف أن الحديث عـن الثقوب السوداء ليس حديثا ، ففي عـام 1798 ناقش بيـير لابلاس إمكانية وجود أجسام بالغـة الكثافة بدرجة لا يستطيع الضوء أن يهرب من جاذبيتها ولم تلق الصورة التي عـرضها لا بلاس حينئذ أي اهتمام من أحد ، فغـرقت في بحر النسيان ، إلا أن أعـيد بعـثها في ثوب جديد مع ظهور النظرية النسبية الخاصة سنة 1905 والعـامة سنة 1916 ، التي دحضت ما اعـلن نيوتن منذ 300 سنة عـن أن الكتلة والطول والزمن ، كميات مطلقة وثابتة بالنسبة للراصد في الأطار الكوني وأن الفراغ الذي نعـيش فيه مستوى ، الأرض والمنظومة الشمسية والمجردة والكون نفسه كلها منظومة اقليدية كاملة ( نسبة إلى اقليدس في الهندسة المستوية) ذات أبعـاد فراغـية ثلاثة بسيطة وملموسة أو هكذا تبدو للعـيان .

 وتغـيرت صورة الجاذبية التي تتطاول بأذرعـها الأخطبوطية لتتغـلغـل في الفراغ البعـيد فتلوى عـنان الكواكب في قبضة الشمس وتأسر النجوم في خطوط القوى المجرية وتهيمن الأنظمة المجرية العـليا عـلى حشود المجرات في انتظام عـجبيب .

 ودخل الزمن بعـدا رابعـا ، فغـير نظرتنا للفراغ بشكل جذري فبدت كل القوانين الفيزيائية الكلاسيكية وعـوامل نيوتن بصفة خاصة تقريبا بالنسبة للظروف الأرضية العـادية والبيئة المحيطة ولكن هذه القوانين نفسها جاءت قاصرة بالنسبة لظروف أخرى مثل السرعـات العـالية والمجالات المغـناطيسية الكثيفة الا أن نسبية اينشتاين وضعـت نموذجا للجاذبية عـلى أنها نتاج مباشر لانحناء الفراغ الموضعـي أو بلغـة أدق الفراغ الزمني أو بلغـة عـلمية انحناء الزمكان curvature of space time وهذا التعـبير يرتكز عـلى الاقتران الوثيق بين الفراغ المنحني من أثر الجاذبية والزمان السرمدي وترى النظرية النسبية للوهلة الأولى أن الجاذبية ما هي إلا نتاج طبيعـي لشكل ( الزمكان ) حول أي جسم له كتلة وتبعـا لذلك كلما زادت الكتلة كلما زاد ( بئر الجاذبية ) gravity well  حول هذه الكتلة ، بالإضافة إلى تأثير الكثافة ، بمعـنى أنه كلما زاد الانضغـاط في هذه الكتلة كلما زادت انحدارية حوائط بئر الجاذبية فإذا طبقنا هذه النتائج عـلى الشمس التي تكون 99.99 % من كتلة المجموعـة الشسمسية فإن الانخفاض في الزمكان الخاص بموقع الشمس سوف يمتد إلى خلف مدار كوكب بلوتو .

 ونتيجة لذلك فإن كل جسم لا يستطيع ضياؤه الفكاك من بئر جاذبيته يعـتبر ثقبا أسوداً إذا زاد وزنه عـن وزن المشس ثلاث مرات ولا توجد مواصفات محددة تحديدا صارما للحجم الممكن للثقب الأسود ولذلك تأتي الثقوب السوداء عـلى كل الأحجام بدءاً من ثقوب بحجم رأس الدبوس تكونت منذ الانفجار الكبير big bang الذي نشأ الكون عـنه إلى حجم الفيل في مركز المجرات النشيطة ، إلى حجم كالشمس ولكن وزنه يفوق وزنها بليون أو ترليون مرة .

 وفي وصف موجز لخصائص الثقوب السوداء قال الفيزيائي ذائع الصيت جون هويلر john wheeler ( ليس للثقوب السوداء شعـر ) يعـني ذلك أننا لا ندرك معـالماً واضحة يمكن بها أن نقبض عـلى الثقوب السوداء لنتحسس معـالمها .

  نشأة الثقب الأسود :

  لقد تفتق الفكر العـلمي عـن فرضية وجود جسم له خصائص الثقب الأسود ثم اجتهد بعـد ذلك في رصده والبحث عـنه وربما كان ذلك ضربا من الإلهام ، أو سدا لحاجة بعـض الدراسات النظرية لوجود مثل ذلك الجسم وقد أقر الفلكيون نشأتها بعـد أن ظهرت امكانية حدوث تضاغـط شديد في المادة عـندما تتنامى الجاذبية حتى لا يمسح للضوء بمغـادرة مصدره .

 وحتى ينشأ ثقب أسود لابد أن تنضغـط كتلته حتى تعـادل السرعـة الكونية الثانية للهروب منه سرعـة الضوء عـلى الأقل ويسمى نصف قطر الجسم في هذه الحالة بنصف القطر التجاذبي gravitational radius ويعـتمد ذلك عـلى انضغـاط المادة داخل الجرم ليتساوى نصف قطره مع نصف قطره التجاذبي .

 وحتى تتحول الكرة الأرضية مثلا إلى ثقب أسود ، يجب أن تنضغـط مادتها ليصبح قطرها 1 سم وبالنشبة للشمس يجب أن يصير قطرها 3 كم ولكى يغـادر الضوء أو المادة ثقباً أسوداً لابد أن تزيد سرعـتها الكونية الثانية .

 وتبعـاً للنظرية النسبية لا يوجد ما هو أسرع من الضوء ولهذا لا يمكن أن يغـادر الضوء أي ثقب أسود .

 ومن ناحية أخرى فإن انضغـاط الجسم يستمر حتى تصل كتلته إلى قيمة حرجة لم تتعـين حتى الأن ولكن نصف قطره يجب أن يقل حتى يصل إلى ما يعـرف باسم نصف القطر الحدي أو العـتبة .

 تنحصر الخصائص الأساسية للكرة الحدية ( أو كرة العـتبة ) في أن بعـض الإشارات الصادرة من سطح الجسم لا تستطيع تجاوز هذا السطح إلى الخارج ومع رجوع المادة وتساقطها تجاه المركز تزداد كثافتها في زمن قصير جداً لتصل إلى قيمة الانهائية وتبعـا للنظرية النسبية العـامة لا يستطيع الراصد من بعـيد أن يرى ما يحدث داخل الكرة الحدية فإذا كانت هناك اشارات دورية صادرة من هذا الجسم فإن الزمن الفاصل بين كل اشارة وأخرى ينمو طول الوقت مع الاقتراب من كرة ( العـتبة ) حتى يبلغ هذا الفاصل ما لا نهاية فلا تنتقل أية إشارات وبهذا يختفي الاشعـاع الدال بالتلة والشحنة ولا يشعـر الراصد لهذه الأجسام الخفية إلا بالكتلة والشحنة والعـزم الزاوي ، إن الشيء الغـريب في سلوك الثقوب السوداء هو عـدم توقفها عـن الانكماش وحتى تصل إلى حجم أقل من الذرة تستمر في الإنكماش ليصبح القطر صفرا وهي الحالة التي تعـرف بالانفرادية وهو شيء بعـيد عـن تصوراتنا ولا أحد يعـرف عـلى وجه التحديد ما الذي يحول دون وصول النجم إلى حالة الانفرادية هذه .

 الانفرادية إذن نقطة فريدة في الفضاء تبين المعـادلات الفيزيائية أنها ذات كثافة لانهائية وبلا أبعـاد ولا تسرى عـليها القوانين المعـروفة وهي تمثل الضغـط اللانهائي والحجم المتلاشي .

  ثقب كير الأسود :

 الواقع أن الثقوب السوداء تدور في حركة مغـزلية ، ويغـير المغـزل فيها اتجاهه قطرياً وقد عـبر عـن ذلك الفلكي كير في حلوله لمعـادلات المجال لاينشتين عـام 1933 ويتناول هذا الحل الثقب الأسود المغـزلي ، أن الخروج من حالة الثقب الأسود الساكن إلى  الثقب الأسود الدوار يستلزم انقلاق أفق الحدث إلى شطرين ثم تتغـير خصائص الانفرادية بطريقة منطقية وعـملية انفلاق أفق الحدث في حد ذاتها نوع آخر من الانفرادية وانفرادية الزمكان ، تجعـل ثقب كير الأسود يتطاول ليحتوى تخيلاتنا المتعـلقة بنقطة لانغـلاق ، وربما لا ينقصها سوى رسم توضيحي لتمثيل الزمكان حول الثقب الأسود .

  ثقب أبيض :

  تكون الثقوب السوداء الدوارة هي أبواب دهاليز الزمكان المؤدي إلى الأكوان الأخرى ، فالمادة والطاقة حتى في أدنى درجات تنسيقها مثل بقية المخلوقات يمكن أن تتبع ممرات أشباه الزمن خلال هذه الدهاليز الموصلة بين الأكوان المختلفة .

 وتسمى النهاية المقابلة للثقب الأسود بالثقب الأبيض ومما يمكن أن ينغـمس في قلب ثقب أسود في كوننا قد يكون خارجاً باندفاع من ثقب أبيض في كون آخر .


  للرجوع

 Copyright © 2005 TOSPACEWORLD.COM

 

 Design By Deepeye.net